أحدث المواضيع >>
تحميل ...
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسار ذاكرة الوطن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسار ذاكرة الوطن. إظهار كافة الرسائل

الكاتب في مواجهة الناقد



بقلم وعدسة: زياد جيوسي

   حين أتتني الدعوة من منارة الثقافة الكرمية السيدة سوسن عبد الحليم لحضور ندوة تحت عنوان (الكاتب في مواجهة الناقد) شددت الرحال من ربى عمَّان عاصمة الاردن الجميل متجها الى مدينة طولكرم زهرة شمال الضفة الفلسطينية حيث رحاب جامعة القدس المفتوحة في الربى الكرمية التي تسكن مني الروح والقلب، إضافة أن موضوع الندوة والاسماء التي ستتحدث به لها أهميتها ووجودها في فضاءات النقد والأدب والشعِر، اضافة للدور الأكاديمي للبعض منهم في الجامعات الفلسطينية.
  بدأت الندوة التي كانت تحت رعاية الدكتور يونس عمرو رئيس الجامعة  والتي نسقتها ونظمتها ودعت لها الاستاذة سناء التاية استاذة النقد العربي في الجامعة، وبحضور كبير زاد عن حجم القاعة من الشعراء والكتاب والمثقفين والمهتمين والطلاب، بكلمة ترحيبية من الدكتور سلامة سالم مدير فرع الجامعة في طولكرم، حيث رحب بالحضور وأعرب عن سعادته بهذا الحضور من كافة ارجاء الوطن، سواء من العمق الفلسطيني المحتل عام 1948 أو الضفة، مبدياً الرغبة بأن يتم عقد المزيد من هذه الندوات من أجل نشر الوعي النقدي وتطوير العلاقة بإيجابية بين الناقد والكاتب، ثم قدم الأستاذ الدكتور احسان الديك استاذ الأدب والنقد في جامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس ليفتتح الندوة بمداخلته، وقد اشار في مداخلته ان العلاقة بين الكاتب والناقد يجب ان تكون علاقة تكاملية وليست علاقة تناقض وتناحر وعداء، وتحدث عن الأزمة بين الكاتب والناقد وأشار أن سوء العلاقة أدى لضعف الحركة النقدية وبالتالي تدفق الكثير من الكتابات الركيكة، بدون ان تجد من يقف في وجه هذا السيل من الضعف والرداءة، وقد اكد ان من مهمات الناقد أن يكون استفزازيا في علاقته مع الكاتب وتفسير اعماله والاشارة الى مستواها، لكن بموضوعية وليس عدائية.
   ثم تحدث الاستاذ الدكتور فاروق مواسي وهو ناقد وكاتب وشاعر وله عدد كبير من المؤلفات، وهو يعمل في أكاديمية القاسمي في باقة الغربية المحتلة منذ عام 1948، وتحدث عن تجربته ككاتب مع النقاد وكيف واجه خروج النقد عن الموضوعية والوصول لحد الاساءة الشخصية، وتجربته كناقد مع الكُتاب وكيف كان يواجه الهجوم والاساءة من بعضهم، فقلة من يتقبلون النقد، وأكد ايضا على ضرورة العلاقة الايجابية بين الطرفين لمصلحة الأدب والابداع، وانه بدون هذه العلاقة الايجابية فنحن سنسير باتجاه الهاوية.
  تحدث الدكتور نادر قاسم وهو رئيس قسم اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية عن السلبية بين الناقد والكاتب، فبعض النقاد يريدون ان يكونوا المعلمين على الكُتاب، وفي نفس الوقت نجد معظم الكُتاب لا يتقبلون النقد أبدا، اضافة أن بعض الكُتاب والكاتبات يسوقون أنفسم بطريقة خاطئة من خلال الالحاح بأن يكتب عنهم، وهذا أدى لسلبية العلاقة بين الطرفين.
   الدكتور مسلم محاميد وهو شاعر وكاتب ايضا تحدث عن التبادلية  بين الكاتب والناقد ليس من ناحية فردية، ولكن كظاهرة يجب أن تكون حميمية لدرجة كبيرة، كما انتقد ابتعاد الأكاديميين والمتخصصين وخاصة في الجامعات الذين يتركون الجرائم الأدبية التي ترتكب من كُتاب وشعراء بدون متابعة وتعرية، كما أكد على أن انحدار الذائقة الأدبية أدى الى انحدار الحركة الأدبية والنقدية، كما اشار إلى دور مواقع التواصل الاجتماعي بانتشار الأدب المنحدر، وأن فتاة تضع عبارة بلا معنى على صفحتها تجد اللهاث خلفها والمديح و(اللايكات) بكثافة، بينما شاعر أو كاتب مبدع لا يجد من يهتم به، اضافة الى دور الاعلام بنشر واعلاء أسماء لا تستحق.
  الاستاذة سناء التايه استاذة النقد العربي في الجامعة ومنظمة ومنسقة الندوة تحدثت عن حجم انتشار النصوص الركيكة والكتب التي تنتشر لمجرد ان صاحبها يمتلك مبلغا ماليا، فيطبع ويعطي نفسه صفة الكاتب والشاعر بدون رقيب ولا حسيب، وأيضا لجوء بعض النقاد إلى زرع النرجسية في ارواح كُتاب وكاتبات، من خلال المديح ويلجئون للانطباعية والشخصنة، وهذا ادى لفقدان الثقة بين الكاتب والناقد، علما أن الكثير من الأعمال ليست أكثر من فقاعة صابون تتلاشى بسرعة، والناقد يجب ان يكون صاحب مسؤولية أخلاقية، كما قالت:
(ان انكماش الحركة النقدية الإبداعية أدى إلى قلة الأعمال الإبداعية الحقيقية، وهذا أدى إلى نشر نصوص سطحية تعاني من الركاكة والضعف، من التحديات التي يواجهها الناقد بعضها يتعلق بالكاتب الذي لا يخفي عداءه للناقد ولا يتوقف عن مهاجمته واعتباره عالة على الإبداع، فالمشكلة الكبرى تتمثل في عدم تقبل الكاتب للنقد الاحتفالي.
   تأثر احكام الناقد بعلاقته الشخصية بالأديب فتصدر احكامهم ذاتية بلا منطق من خلال إبراز جماليات يفتقدها النص من باب المجاملة.. لذا رأينا بعض الأعمال الأدبية التي انبرى لها البعض بالتطبيل والتزمير واشادوا بكتابها مبشرين وسائل الإعلام بأنهم أصحاب أقلام و اعدة...
  دور الناقد الصراحة وعدم المجاملة.. وفي إبراز الأدباء الحقيقيين ومحاربة ظاهرة التسلق على النقد والأدب كضرورة وعدم اللهاث خلف نصوص لا قيمة لها.. وضرورة محاربة الكتاب المأجورين وتنظيف الساحة الأدبية، لأن المسؤولية أخلاقية أمام المتلقي.. والناقد الذي يجامل يكون قد اسهم بنشر منشورات لا تستحق أن تنشر أو تشهر).
   كما تحدثت الشاعرة والباحثة ايمان مصاروة وأشارت أن سلبية العلاقة بين الناقد والكاتب ناتجة عن أن هناك نقاد مغرورين وكُتاب لا يتقبلون، وان هذا جعل بعض النقاد يسيئون للكتاب والشعراء، وخاصة في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي.
   الناشطة أسمهان جبالي تحدثت ان المشكلة تكمن في دور النشر فهي ربحية وليست صاحبة رسالة ولا يهمها الا الكسب المادي، كما تحدثت عن انتشار الألقاب العلمية المزورة والتستر خلفها، كما تحدثت عن دور الاعلام من ناحية ضرورة ان يبحث عن الحقيقة قبل النشر وأن لا يكون مطية لأدعياء الأدب وايضا أدعياء النقد.
  ثم تم فتح المجال للمداخلات فتحدث الأستاذ منتصر الكم مدير عام وزارة الثقافة في مديرية طولكرم، ودافع عن دور الوزارة وأنها حين تدعم طباعة كتاب فلأن الكتاب حظي على موافقة اللجنة المتخصصة، وأن الوزارة داعم وليس ناشر، ثم تحدث الشاعر محمد علوش وطالب الدكاترة والمتخصصين والنقاد ضرورة ايلاء الجيل الشاب الأهمية والأخذ بيدهم، وتحدث الكاتب والناقد التشكيلي والاعلامي زياد جيوسي وقال: النقاد ثلاثة أصناف، الأول يريد أن يحطم العمل الابداعي، والثاني يريد تحطيم صاحب العمل، والثالث يبحث عن جماليات وقوة النص ويتحدث عنها بموضوعية، ويشير للسلبيات ونقاط الضعف بهدوء وبدون شخصنة وبدون اساءة، فليس هناك عمل ابداعي مقدس خارج اطار النقد، ولكن على ان يكون النقد موضوعيا، وطالما أن العمل الابداعي خرج من صاحبه ونشر، فهو أصبح ملكا للقارئ واستشهد بمقولة تقول: العمل الابداعي يأتي ميتا ويأتي القارئ الناقد ليحييه، وقال: عانينا أن الكل يريدون أن يصبحوا شعراء، والآن نجد (موضة) الرواية تنتشر، فأصبح عدد كبير من الشعراء يتجهون للرواية، وأيضا لصوص النصوص والتلاص واصحاب ادعاء الأدب يصدورون روايات تفتقد اصول وقواعد الرواية، وكل بناء يقوم على الرمل سينهار فالزبد يذهب هباء ولا يتبقى الا الدر، وتحدث عن لهاث كاتبات وكتاب خلف النقاد والاعلاميين بطريقة معيبة ليكتبوا عنهم، وبكل اسف هناك من يكون ذئب عجوز يستغل ذلك للكسب المادي أو اشياء أخرى، وقال أن المعظم يريد المديح ولا يريد النقد واستخدم المثل الفلسطيني الشعبي: (إحنا مثل حاكورة البصل، كلنا روس ما فينا ولاكنارة).
   وتحدثت الناشطة الثقافية والاجتماعية السيدة سوسن عبد الحليم ورحبت بالحضور والضيوف، وتحدثت واشارت الى أن الندوة بحثت في العلاقة بين الكاتب والناقد وتم نقد النقاد، فالسؤال الآن ماذا سيكون بعد نقد النقد، وهل سنخرج من هنا بدون أن تتواصل الندوات للوصول الى أسس يجري التعامل من خلالها؟
   الندوة امتدت أكثر من الوقت المقرر لها، فتحدثت الاستاذة سناء التايه وشكرت الحضور والجمهور وادارة الجامعة على دعمها واهتمامها، وقالت اننا سنعتبر هذه الندوة بداية لسلسلة من الندوات لعلنا نتمكن من رفع المستوى الثقافي والنقدي وحماية مكتسباتنا الثقافية في مواجهة هذا السيل من الانتاجات التي تخرب ولا تعمر.





براعم زها يحلّقون في فضاءات الفن التشكيلي


بقلم وعدسة: زياد جيوسي

   أثناء زيارة لي للعاصمة الأردنية عمَّان، فوجئت بدعوة تصلني من مؤسسة زها للطفولة في ضاحية خلدا في العاصمة الأردنية، وهي مؤسسة من بعض مؤسسات أمانة عمَان الكبرى، لحضور فعاليات خاصة بالأطفال، فتذكرت هذه الحديقة الجميلة التي تقع على مسافة قريبة جداً من مقر إقامتي بالأردن أثناء سفري من الوطن ومن مدينة رام الله. وحين دققت برنامج الفعاليات التي ستقام تحت شعار: (يوم حب التطوع)، وجدت من ضمنها عرضاً لمجموعة من الفنانين التشكيليين الشباب، وقررت الحضور وتلبية الدعوة، فاصطحبت حفيدتي الطفلة الحلوة "سيدرا" ذات الخمس سنوات من العمر معي وقلمي وعدستي.
  تجولت مع حفيدتي كل الفعاليات في يوم حب التطوع، وكنت أرقب ردود الفعل عند الأطفال، وحجم مشاركتهم، وحجم اندماج حفيدتي بهذه الفعاليات، والتي تراوحت بين الموسيقى والدبكة التراثية والمحاضرات الإرشادية والتوعوية للأطفال وبخاصة فيما يتعلق بالجانب الصحي، إضافة إلى الحكواتي، والمحاضر الصغير، وتوجيه الأطفال لحب التطوع بالأعمال والنشاطات الاجتماعية والفنية والثقافية، وإعادة تدوير المواد لتصبح إما أعمالاً فنية أو مفيدة للاستخدام، اضافة للرسم على الوجوه والفن التشكيلي، فوجدت تفاعلاً كبيراً من الأطفال بأعمارهم المختلفة، واهتمام بالحضور من الأهالي مع أطفالهم، وحضور متميز للإدارة والعاملين والعاملات بالمركز، إضافة إلى أعداد من الشباب والشابات المتطوعين.
   كان اهتمامي بشكل خاص متجهاً لفعاليات الفن التشكيلي بحكم اهتمامي فيه، ومقالاتي عنه، ومتابعتي ما أمكن للمعارض، إضافة إلى برنامج أسبوعي في راديو بيسان في رام الله عن الفن التشكيلي، فأردت رؤية كيفية تفاعل الأطفال مع الفن التشكيلي ومدى تأثيره على أرواحهم الغضة، فكنت وما زلت مؤمناً أن الفن والموسيقى من أهم الوسائل لتشذيب الأرواح، ودفعها للتحليق في فضاءات الجمال، وبخاصة أنني ألاحظ أن مادة الفن في المدارس هي الأقل اهتماماً، بعكس ما كانت تجده من اهتمام كبير من بعض مدرّسينا في طفولتنا، بحيث تركت أثرها على أرواحنا.
   شارك الفنانون الشباب: أحمد المناصرة، وشيرين بلوط ،وريمان المحو، ونوال عبد الرحيم، وأسماء صبيح، ببعض من نتاج أرواحهم، حريصين أن تكون اللوحات المعروضة قريبة من فهم الأطفال، فشارك الفنان الشاب أحمد المناصرة بخمس لوحات تعتمد على استخدام قطع الزجاج المعشق والملون على طريقة استخدام الفسيفساء (فسيفساء التراكم)، وفي ثلاث منها كانت صور لثلاث شخصيات مشهورة هي محمود درويش وجيفارا وأم كلثوم، بينما لجأ في لوحتين لرسم حكايات تناسب الأطفال بالزجاج الملون المعشق الفسيفسائي. وأعتقد أنه من الضروري أن يتجه الفنان نحو إبداع لوحات من روحه يطعّمها بالزجاج الملون إضافة إلى الصور التي يستخدمها، فهو من الفنانين القلائل الذين اتجهوا للإبداع الفني من خلال الزجاج الملون على شكل لوحات الفسيفساء، وله مشاركة كبيرة، وإشراف على جدارية في مدينة الزرقاء الأردنية بالطريقة الفنية نفسها، وكان هناك تفاعل جيد من الأطفال مع أعماله، فربما المادة الزجاجية المستخدمة بجماليتها وانعكاساتها لعبت دوراً كبيراً في استثارة نفوس الأطفال، وتوجيههم بشكل غير مباشر نحو استغلال الخامات المتروكة وإعادة تدويرها بشكل مفيد، وهذا ما لمسته من تساؤلات الأطفال التي وجهوها للفنان، واهتمامه بالحديث معهم بروح محبة ومرحة. الفنان مناصرة خريج جامعة فيلادلفيا تصميم جرافيك، ويستعد الآن لمناقشة رسالة الماجستير بفنون العمارة الإسلامية.
     بينما اتجهت الفنانة الشابة شريهان بلوط إلى تقديم ست لوحات متميزة بمواضيعها وفكرتها وجمالها، لوحات كانت بمواضيعها وأسلوبها الفني قريبة جداً من الأطفال، منها مشهد لطفلة في لحظة محبة مع فرس أصيلة في أحضان الطبيعة، ولوحة أخرى انطباعية للورود والأزهار، وفي لوحتها الثالثة كانت تقدم مشهداً لبيت تراثي تحيطه الورود والنباتات وبجوار البوابة شجرة عارية من كل الأوراق، وهذا يمثل تناقضاً بين الربيع الطاغي على اللوحة ومشهد الشجرة وكأنها في قلب الخريف، بينما في لوحة أخرى رسمت الصوفيين بردائهم المشهور وهم يرقصون بالشكل الدائري، وفي لوحة أخرى رسمت الطفل بائع البلالين للأطفال، وختمت لوحاتها بلوحة لطفل في أول الشباب يرتدي العمامة، وهذه اللوحة بالأصل صورة فوتغرافية أسقطت عليها الفنانة روحها حين شدتها النظرة القاسية والقوية في العينين، وهي لوحة داكنة الألوان، وبتقديري أنها أخذت جهداً كبيرا من الفنانة كي تولد النور من قلب العتمة، ويلاحظ أن طبيعة الموضوعات في لوحات الفنانة شيرين بلوط قريبة جداً من أرواح الأطفال، وتوجههم نحو الجمال في الحياة والاستمتاع بها، ما بين الطبيعة والخيول والورود والربيع والجمال، والاستعداد لمواجهة قسوة الحياة. الفنانة لم تدرس الفنون إلا دورة بمعهد تابع لوزارة الثقافة الأردنية، وهي تمتلك موهبة جيدة تمارسها منذ الطفولة.
   الفنانة ريمان المحو، وهي خريجة جامعة اليرموك، وشاركت بثلاث لوحات انطباعية ومتميزة، فقد رسمت غابات من الأشجار بكرم لوني كبير، وتشكيل انطباعي متميز، فاستخدمت أسلوب الكشط بالسكين بطريقة متميزة، ومازجت الألوان بطريقة تدل على قدرات تقنية متميزة بالتعامل مع اللون واستخداماته، فمازجت البرتقالي مع الأحمر بتدرجاته، إضافة إلى الأزرق والأصفر والأخضر والأبيض واللون البني لجذوع الأشجار، بحيث كانت لوحاتها ملفتة للنظر، وشدت الأطفال للجمال الذي يشاهدونه، وبالتأكيد تركت أثراً جميلاً في الأرواح الغضة ليعشقوا الجمال والطبيعة ويحافظوا عليها.
  الفنانة التشكيلية نوال عبد الرحيم، قدمت تسعة أعمال، كل ثلاثة منها تشكل فكرة متكاملة. والفنانة نوال لم تدرس الفن، ولكنها امتلكت الموهبة، واعتمدت على نفسها ومشاهداتها بتطوير موهبتها الفنية، إضافة على نصائح وإرشادات من فنانين لهم وجود قوي في الساحة الفنية في الأردن. ويتميز أسلوب الفنانة باللجوء لأسلوب الزخرفة في إبداعاتها الفنية، وسبق لي أن شاهدت لها العديد من الأعمال في معارض مشتركة. وفي معرض زها نلاحظ أنها في المجموعة الأولى قدمت المكان بطريقة جميلة، وقريبة إلى النفس، سواء للكبار أو الصغار، فقدمت اللوحات التي تصور القدس بتجريدية للمكان مع روح انطباعية وواقعية، واستخدمت ألوان الزخرفة بطريقة ملفتة للنظر، فتمازج الأقصى بالمآذن والبيوت التراثية، وتمازج الإنسان من خلال بعض المشاهد للمرأة الفلسطينية بثوبها التقليدي ورجل باللباس التراثي، وطفل صغير في لوحة، وفي لوحتين كانت المرأة الفلسطينية، وكان التمازج جميلاً حتى كاد يصل لدرجة الانصهار، بينما في المجموعة الثانية لجأت لتجريد الأمكنة بشكل كبير مع استخدام العديد من الرموز، بينما في المجموعة الثالثة، ومع الأسلوب الزخرفي نفسه باللون والأسلوب قدمت ثلاث لوحات قريبة جداً من روح الأطفال، فظهرت فيها الطيور في لوحة، والأطفال الرضع المحلقين كالفراشات في لوحة أخرى، ولوحة ثالثة استخدمت فيها أشكال الفرح من طيور وأشخاص وأشكال متنوعة، ويلاحظ في هذه المجموعة استخدام اللون الأزرق الفيروزي بجمالية خاصة، وهو لون قريب للروح جداً، وبالتالي حين نقيّم تأثير اللوحات على روح الأطفال سنجد تأثيراً إيجابياً يشد الطفل للوطن المغتصب والأقصى السليب، ولجمال الأمكنة وجمال الطبيعة، وهذه تأثيرات مهمة اعتمدتها الفنانة باختيار هذه المجموعة من اللوحات لتتناسب مع طبيعة المعرض والحضور من الأطفال.
   الفنانة الأخيرة كانت الفنانة المتميزة أسماء صبيح، وشاركت بلوحتين مازجت بهما الألوان الزيتية مع التركيب (لوحات الكولاج)، وهو فن يعتمد على مزج اللون الزيتي مع مواد أخرى، وأول من استخدمه "بيكاسو" في اللوحات الزيتية، بينما استخدمه الصينيون بالأصل من بعد اختراع الورق في القرن الثاني للميلاد. وفي اللوحة الأولى قدمت لوحة لامرأة تغمض عينيها، وتحلق فوق شعرها الأزهار وفوق رأسها أيضاً، امرأة جميلة كأنها تعيش لحظات من الحلم والتفكير، تحيط بها أوراق، واضح من الكلام بها أنها من كتاب نثري وجداني من خلال الكلمات بها، وتغطي نصف وجهها بشكل أشبه بغلالة شفافة تغطي العين وتغير اللون، ولكنها تخفي بعضاً من الشفاه برمزية مقصودة، وهذه اللوحة بالذات متقدمة جداً باستخدام الرمزيات فيها بطريقة تدل على تحليق روح الفنانة وهي تسكب نزف روحها بالألوان والفرشاة، بينما اللوحة الثانية كانت أيضاً لامرأة تغمض عينيها بحالة من الخدر اللذيذ، وجمالية اللون، والرموز من حول الوجه، وبرغم أن مستوى الفكرة في اللوحتين المعروضتين في المعرض تعتبر بمستواها الفني والفكرة والرمزية بها أعلى من قدرات الأطفال على فهمها، لكنها تشد الأطفال للأسلوب، وإمكانية أن يستخدموا المواد المختلفة بشكل فني، وهذه وسيلة تعليمية جيدة للأطفال، وتنمية مواهبهم الفنية، وذائقتهم الجمالية. والفنانة أسماء درست فن التصميم الداخلي، إضافة إلى عدة دورات رسم، وشاركت بعدة معارض فنية محلية، وكان لها معرضان شخصيان، إضافة على المشاركة بالعديد من ورشات الرسم.
   بتقديري فإن إدارة مركز زها والمشاركين قد نجحوا بتطوير قدرات الأطفال، وتوجيههم بشكل غير مباشر للكثير من القضايا، وإن فكرة مشاركة معرض للفن التشكيلي في فعاليات يوم التطوع كانت فكرة جميلة ومتميزة لتطوير قدرات الأطفال، وتنمية مواهبهم الفنية، وذائقتهم الجمالية والفنية، وهذا ما لمسته من خلال اهتمام الأطفال وأسئلتهم. وبعيداً عن ذلك، ومن ناحية المستوى الفني للوحات المشاركة، فقد كانت تترواح بين الجيد والجيد جيداً، مع ملاحظة أن بعض اللوحات الزيتية المشاركة كانت تحتاج اهتماماً تقنياً أكثر باستخدام اللون، والتعبير عن الفكرة، فقد كان هناك في بعض اللوحات نقاط ضعف متعددة، وبخاصة من حيث البخل باللون في العديد من زوايا بعض اللوحات، إضافة إلى نقاط ضعف أخرى. لكن مشاركة الفن التشكيلي في يوم للأطفال كانت فكرة جيدة، وأدّت دورها، وتحتاج لاهتمام أكبر من إدارة المركز، ولمست ذلك حين عودتي للبيت حين أخرجت حفيدتي "سيدرا" أوراقها وأقلام التلوين، وبدأت بالرسم الطفولي، وهمست لي: (جدو.. بدي ارسم وأصير فنانة مثل يللي شفناهم).








الفنان وائل ربيع والوطن بألوان خلف الجدران




بقلم وعدسة: زياد جيوسي

   ربما لعب الحظ دوره معي بالعودة إلى رام الله بعد غياب استمر عدة شهور، فتمكنت من حضور معرضين للفن التشكيلي، للفنانتين الأم والابنة آمنة بعجور وكنان الربيعي في مدينة البيرة، والفنان الشاب وائل ربيع في مدينة رام الله التوأم السيامي لمدينة البيرة، فحلّقت روحي ما بين الإبداع في المعرضين، وإن كنت قد سبق أن حضرت معرضاً سابقاً للفنانة كنان الربيعي، بينما كانت المرة الأولى التي أحضر فيها معرضاً للفنان وائل ربيع، وإن كنت قد شاهدت له الكثير عبر الشبكة العنكبوتية، ولكن بالتأكيد، وكما أقول عادة، إن الصورة الفوتغرافية للوحة تعطي المتأمل الصورة الجمالية، ولا تعبر فعلياً عن اللوحة، فالصورة تتغير بها درجات الألوان، إضافة إلى إخفاء العيوب والهنات الصغيرة التي قد نراها باللوحة، أو إخفاء الرمزيات الصغيرة باللوحة، وهي لها تأثير على قراءة اللوحات، لذا سعدت أن تحلق روحي بأعمال ولوحات الفنان مباشرة.
   من يجول في لوحات معرض الفنان، والذي حمل اسم: (ألوان خلف الجدران)، يدرك مباشرة أن الفنان يبحث في معرضه فكرة التعبير عن الوطن المحتل الذي يقبع داخل جدران سجن الاحتلال، وتتقطع أوصاله بين الحواجز العسكرية والأسلاك الشائكة وبنادق الجند والجدار البغيض، والأراضي المصادرة التي تحولت إلى مستوطنات بشعة ومعسكرات تحمل في ثناياها الموت، من خلال ثلاثة أشكال لرسم ألوان الوطن باللون والريشة، وقد رأيتها في المعرض تحت ثلاث مجموعات حسب قراءتي للوحات وهي: الألم، الأمل والاصرار، والأطفال فرح ومقاومة، وهي من ثماني لوحات، وسأتناول بعضاً من هذه اللوحات التي تلخص الفكرة في كل مجموعة من المجموعات.
   الألم، وهي تتكون من خمس لوحات، وفي هذه المجموعة لخص الفنان الإحساس بالألم الذي يعتصر النفوس، ففي لوحة "عناق" يظهر وجه كهل فلسطيني تُظهر ملامحه الألم وهو يرتكز بذقنه على قبة الصخرة المشرفة ويرتدي الكوفية الفلسطينية. وفي لوحة أخرى تحمل اسم (زغرودة وطن)، نجد المرأة الفلسطينية وهي تربط الكوفية الفلسطينية على منديلها الأسود والألم يعتصر وجهها والدموع في عينيها، وهي تطلق زغرودة وداع الشهيد الشاب الذي نراه كأنه طير يبدأ رحلة التحليق للسماء من تحت شجرة عارية من الأغصان ترمز لوطن أصابه الجفاف من طول فترة الاحتلال، وخلفه شمس الحرية تبزغ من بين الغيوم. وفي لوحة (تقاطع) نجد مشهداً رمزياً كبيراً من خلال مشهد الطفل "عيلان" الذي أصبح رمزاً للمهاجرين قسراً من أوطانهم وقد غرق في البحر، و"حنظلة" الرمز الفلسطيني الذي ابتكره الشهيد الفنان ناجي العلي وهو يرفع جثة "عيلان"، وفي مقدمة اللوحة يد فنان ترسم المشهد، ولكن يظهر الطفل الغريق "عيلان" وهو يرفع "حنظلة" عن الشاطئ، وهذه إشارة رمزية إلى أن المعاناة واحدة بين الشعوب التي تجبرها الأحداث على الهجرة. بينما في لوحة (عَبرات) نرى فتاة شابة ترتدي الثوب الفلسطيني المطرز بالنقوش الكنعانية، وتحمل على إصبعها عصفوراً ألوانه أشبه ما تكون بألوان العلم الفلسطيني وهي تنظر للقدس بكل الألم والدموع نتنسكب من عينيها، وفي هذه اللوحة نجد حجم الرموز التي استعملها الفنان في لوحته سواء بالرمز اللوني أو الرمز التشكيلي، فهناك الثوب الفلسطيني ذو الأكمام الواسعة وهو من أزياء منطقة القدس التراثية، وبرزت النقوش الكنعانية على فوهات الأكمام الواسعة وأنها إشارة إلى أن الحرية ترتبط بمحافظتنا على تراث وتاريخ يسعى الاحتلال لشطبه، وكان العصفور إشارة إلى وطن من خلال تواشيحه وألوانه بألوان العلم الفلسطيني، وفي الخلفية برزت القدس والأقصى ومسجد قبة الصخرة الواقع في ساحات الأقصى من خلف الأسوار، بينما كانت السماء ملونة باللون الأرجواني الموشح باللون الأحمر بتدرجاته واللون الأسود والأصفر، بتعبير رمزي واضح للغضب الساطع القادم والفجر الجميل.
الأمل والإصرار، وهي مجموعة من سبع عشرة لوحة، وفيها أبرز الفنان العديد من ألوان المشاهد التي تشير إلى فكرة الأمل بالعودة، والعودة، وفكرة الإصرار، برغم كل ما تعرّض له وما يتعرض له الوطن الفلسطيني من ظلم وقهر من الاحتلال، إلا أنه لا يفقد أبناء الأرض وأحفاد كنعان الأمل، ولا يبعدهم عن الإصرار على حرية الوطن والشعب، فنحن كنا وسنبقى أبداً أسياد الأرض، وربما يكون من الصعب الحديث عن المجموعة كاملة وإن كانت كل لوحة فيها تستحق حديثاً خاصاً، لكن مَن يشاهد مجمل اللوحات يجد حجم الأمل والإصرار في العيون أو الرمز فيها، وسأتحدث بشكل خاص عن ثلاث لوحات اختصرت المعنى والفكرة، فكرة الأمل والإصرار، حيث نشاهد في اللوحة الأولى، وحملت اسم (يافا عروس البحر)، الفلسطينية الشابة بثوبها المطرز بالرموز الكنعانية وعلى رأسها (الوقاة) التراثية وهي مزينة بالليرات الذهبية وتقال باللهجة المحكية الفلسطينية (وكاه)، وفوقها الشال الفلسطيني المطرز وخلفها بحر يافا وشاطئها ومركب شراعي، ونظرة الأمل تظهر في عينيّ الشابة بوضوح مع عزم وإصرار على العودة، ونلمس الرمزية بوضوح من خلال الزي أولاً، ومن خلال المركب الشراعي الذي كان يستخدم في السابق، ومن خلال عمر الشابة التي لم تعرف يافا، ولم تعش بها بعد طرد سكانها في نكبة 1948، وهي إشارة إلى أن الأجيال التي ولدت في المهجر لم تنس فلسطين كما راهن الاحتلال أن الكبير سيموت وأن الصغير سينسى. بينما في لوحة (نداء الفجر) نجد الخيول الأصيلة تتجه للقدس من خلف مبنى المسجد الاقصى في لحظات بزوغ الفجر وإشراقة الشمس من بين سدل العتمة، في إشارة رمزية إلى فجر الحرية الذي لا بد أن يأتي، ويلاحظ أن الفنان أظهر الأرض يانعة بالأخضر الجميل رمزاً للخصب برغم عتمة الليل، وأنه تمكن بإبداع جميل من رسم بزوغ الشمس وانعكاسها على الأقصى والأرض برمزية لونية متميزة وجميلة. بينما في اللوحة الثالثة، والتي حملت اسم (الرجوع الأخير)، أظهر الفنان شاباً فلسطينياً يلف رأسه بالكوفية الفلسطينية، وينحني على الأسلاك الشائكة التي ترمز للفصل بين شقي الوطن 67 و48، غير آبه بالألم والدم الذي يسيل من جسده ويده، ويزرع زيتونة في الأرض، وقطرات دمه المنثالة على الأرض تنبت أزهاراً من شقائق النعمان الحمراء كالدم، والفجر ينبثق من بين الغيوم بتمازج الأصفر مع الأحمر القاني بتدرجاته.
الأطفال فرح ومقاومة، وهي من ثماني لوحات اعتمدت الطفل الذي يحلم بالفرح من جهة، ويقاوم بالحجر من جهة أخرى، وينظر للغد ولفجر الحرية. وفي لوحة حملت اسم (نافذة على السلام)، نرى فيها وجهين لطفلين وقد مزّقا جدار الصفيح الذي تخترقه آثار إطلاق الرصاص، وينظران من الفتحة بكل مشاعر الألم المرتسمة على وجوههما وأعينهما، ويحلمان بالفرح والحرية والسلام، بينما نرى رمزية صلب الفرح على الجدار من الداخل حيث (الأراجوز) بتلاوينه وملابسه مصلوباً على الجدار، فكما ورد في الموروث الديني عند الإخوة المسيحيين من صلب السيد المسيح رمز السلام على يد اليهود، نرى صلب الفرح على الجدار بيد الاحتلال. وفي لوحة أخرى حملت اسم (دراجتي)، نرى آلة الهدم الاسرائيلية التي تجرف الأراضي، وتهدم البيوت، وتقتلع الأشجار، وقد حطمت دراجة الطفلة الهوائية، لكن حلم الأطفال جعلها تحيل ذراع الآلة الضخمة إلى أرجوحة تتأرجح عليها وظهرها للدراجة المحطمة، وهي تنظر بردائها الأبيض للشمس من بين الغيوم وللحرم الإبراهيمي في الخليل، وفي هذه اللوحة المؤثرة نجد الفنان اعتمد الرمزية الواضحة في لوحته، فقد جعل وجه الطفلة باتجاه الشمس التي رمز لها بأنها شمس الحرية، وليس الشمس الطبيعية التي لا يمكن النظر إليها، وجعل الدراجة المحطمة، وهي كناية ورمز للفرح الذي ينغصه الاحتلال في الخلف، وذراع الآلة أصبح ذراعاً للأرجوحة، فهي فكرة الطفل الفلسطيني الذي لا بد أن يعيش الحرية والفرح، ويصبح الاحتلال بعضاً من الماضي كما كل الاحتلالات التي عرفتها فلسطين. بينما في اللوحة الثالثة نجد طفلاً فلسطينياً يرتدي الكوفية الفلسطينية يقف في الظلام ليقاوم الغربان بالحجر، بدون خوف أو تردد، وبرغم أن هناك غراباً يحاول أن ينقر قدم الطفل، وهي إشارة رمزية إلى قيام جنود الاحتلال بتعمّد إصابة أقدام الأطفال بالرصاص المحرم دولياً، ما رفع نسبة مبتوري الأقدام والأيدي في جيل الأطفال، إلا أنه غير مهتم أبداً بذلك، وأيضاً قد تمكن من إصابة غراب ملقى تحت قدمه، وهو يقاوم بانتظار الشمس من بعد القمر.
الفنان وائل ربيع فنان بالفطرة، فهو لم يدرس الفن أبداً، ويعتمد على التجربة بتطوير قدراته الفنية، وهو من مواليد 1970، وعضو في الاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وتعود جذوره إلى بلدة "لِفتا" من قرى القدس، والتي ازالها الاحتلال عن الأرض عام النكبة، وهو ولد وعاش ولما يزال تحت الاحتلال للضفة الغربية التي احتلت في العام 1967، وكان هذا المعرض معرضه الشخصي الأول، إضافة إلى مشاركات في بعض المعارض المحلية المشتركة، وهذا سبب أساس لوقوع الفنان في بعض الهنات الصغيرة في بعض اللوحات، مثل ظهور القاعدة للوحات في بعض الأجزاء، وهذا ما يطلق عليه صفحة البخل في الألوان، برغم الكرم الزائد في الألوان في زوايا أخرى، إضافة إلى بعض البثور اللونية، مع ملاحظة أن الفنان وائل ربيع يعتمد في الكثير من لوحاته على رسم الصور الفوتغرافية التي تترك أثرها على روحه، ويخرجها بأسلوب جديد، وفي لوحات زيتية معبرة وذات رمزية كبيرة بعد إسقاط مكنونات روحه على اللوحات، وكما أشرت في السابق، فالفنان يلجأ للواقعية في لوحاته، والرمزية عنده واضحة وليست مغرقة بالترميز حتى تتحول إلى سريالية، وفي كافة لوحاته يرتبط بالمكان والأرض والوطن، ويحلم كما كل أبناء الوطن بحرية للشعب وفجر جميل للوطن، فهنا يكون وقع الاحتلال على روحه كفنان أكبر، فيقاوم بالريشة واللون، والفنان يختصر أهدافه وأعماله بالقول: "أسعى من خلال أعمالي الفنية إلى التعبير عن أفكاري، تطلعاتي وأحلامي، محاولاً ما أمكن تقديم فن ملتزم يسلط الضوء على تراث شعبنا الفلسطيني وقضاياه العادلة".







يأسرني سحر جنين



 (الخفقة الثانية)

يخفقها: زياد جيوسي

جنين المدينة: منظر عام بعدسة زياد جيوسي
جنين المدينة: منظر عام بعدسة زياد جيوسي

لم تتوقف جنين عن البوح بأسرارها؛ تهمس بأذني وتحدثني، وتضمني بكل حنان.. جدائلها تنسدل على كتفيها.. تروي الحكاية، ولا تتوقف إلا لتنظر في عينيّ، فترى فيهما كيف أن حبها يجتاحني، وخفقات قلبي تزداد وترتفع كدقات طبول إفريقية، فليس من السهل على من يجتاحه العشق أن يخفيه أبداً، فحين كنت أجول جنين كنت أشعر بالتاريخ يرافقني، ويهمس بأذني عن أسرار هذه الحورية الكنعانية التي ترخي شعرها ضفائر من ذهب، وشعرت بأرواح الجدود والجدات تهمس لي: هنا كنا فحافظوا على هذا الوطن، وحافظوا على ذاكرته، كي تروي لأحفادكم الحكاية.
كنت أحاول جهدي أن أخفي المشاعر التي تنتابني وأنا أجول برفقة المضيّفين لي من مركز محمود درويش الثقافي؛ المهندسة المتألقة دينا حمدان مديرة المركز، والشاب الجميل الذي تتدفق من روحه الطيبة كفاح أبو سرور. واصلنا التجوال في البلدة القديمة راوية الحكاية، وكل بيت من هذه البيوت يمتلك من الأسرار التي لو كتبت لشكلت ملحمة تاريخية عن قصة شعب لم يتوقف عن العطاء ولا عن الصمود، قصة نقشت التاريخ بالعرق والدم، ففي كل زاوية كنت أرى صور الشهداء الذين قدموا أرواحهم على مذبح الحرية والحلم بالصباح الأجمل، وفي أزقتها الكثيرة شعرت بالجدران تهمس لي عن تاريخ ضارب الجذور، وعن مدينة حضارية تشكل فيها أول مجلس بلدي في العام 1886م، وللحقيقة فإن المتعة بالتجوال في البلدة القديمة تجعل الإنسان يحلق في فضاء من الجمال، ويتنسم عبق التاريخ، ولا تكف عيناه عن التدقيق في كل أثر، فالنقوش القديمة على الحجارة تروي حكايات، وإن لفت نظري وجود عدد كبير من البيوت القديمة مهملة، وبيوت أخرى تنمو الحشائش والأعشاب بين حجارة جدرانها، وهذه الأعشاب إن لم تقاوم وتجري عملية إزالة لها ستمتد جذورها وتهدم هذه البيوت، إضافة إلى وجود ركام وأوساخ في أكثر من زاوية ومنطقة تحتاج جهود البلدية لإزالتها، وإلا أصبحت مرتعاً للحشرات والزواحف والجرذان، ومعالجة المسائل أولاً بأول يحفظ المنطقة وجماليتها، ولا يترك السلبيات تتراكم كي لا نصرخ بعدها: ما الحل؟

طلاب الكمنجاتي مبدعي المستقبل بعدسة زياد جيوسي
طلاب الكمنجاتي مبدعي المستقبل بعدسة زياد جيوسي

أنهينا الجولة في البلدة القديمة، وكم فرحت بأطفال البلدة وهو يرحبون بنا، أو يطلبون مني أن ألتقط لهم الصور، ثم اتجهنا إلى مبنى (مؤسسة الكمنجاتي) التي ستشهد أمسيتي الأدبية ولقائي مع قرائي وأبناء جنين فيها، والبناية تقع في واجهة البلدة القديمة، وفي الأصل كانت من قصور آل عبد الهادي، وقد أهملت فترة طويلة حتى اشتراها شخص ما وحولها لمكاتب وعيادات قبل أربعين سنة تقريباً، ثم تحولت إلى مكان لتربية الدواجن ومنجرة أخشاب، لتهجر بعدها وتتحول إلى مكان يمتلئ بالنفايات، حتى جرى التفاوض مع مالكها مطولاً واستئجارها لصالح مؤسسة الكمنجاتي، ورممتها (مؤسسة رواق) لتتحول إلى بؤرة مضيئة لتعليم الموسيقى، وفيها قاعة ممتازة للحفلات والأمسيات، وفي داخل المركز سعدت بلقاء الفنان الصديق إياد ستيتي، وهو مدير المركز في جنين، وتجولت برفقته في كل القاعات وشاهدت الطلاب يتدربون، فالمركز بدأ بأربعين طالباً، ليضم الآن مائة وأربعين طالبًا وطالبة من عمر ست سنوات حتى عمر أربع عشرة سنة، وكم فرحت وأنا أستمع للطفل أيهم عايش وهو يقول لنا: هنا وجدت نفسي، مع الموسيقى تغيرت نفسيتي وروحي، وأشعر بالتميز كعازف عود، وأصبحت حياتي أجمل، وأصبح لي أصدقاء أجمل، وأشعر أني الآن أنتمي لوطني وأقاوم المحتل أكثر.

الطيبيعة في تلفيت بعدسة زياد جيوسيا
الطيبيعة في تلفيت بعدسة زياد جيوسي

   من (الكمنجاتي) اتجهنا إلى ربى جنين، وفي الشارع الرئيس مررنا بشرفة وقف عليها القائد العراقي محمود شيت خطاب في العام 1948 وألقى قصيدة قال في مقاطع منها:
"هذي قبور الخالدين وقد قضوا
شهداء حتى ينقذوا الأوطانا
أجنين إنك قد شهدت جهادنا
وعلمت كيف تساقطت قتلانا
إن الخلود لمن يموت مجاهداً
ليس الخلود لمن يعيش جبانا"
فترحمت مجدداً على أرواح شهداء العراق وشهداء الوطن، لنكمل الطريق إلى التلال والربوات، وقبل أن نبدأ الصعود إلى التلال تجولنا في أحياء المدينة، ولفت نظري أن معظم الشوارع تمتلئ بالحفر وتفتقد الأرصفة وعمليات التشجير، فأين البلدية من هذه الحفر التي تشوه وجه المدينة، وتمس بحياة المواطن والسلامة العامة له؟ ولماذا لا تتم عملية شاملة لصيانة الشوارع والأرصفة وتشجيرها؟ وهل نسي المعنيون أن جنين امتداد لمرج ابن عامر واشتهرت عبر تاريخها بالجمال والخضرة؟ وأن مجرى (عين نينا) كان يشقها حتى يصب في نهر الملح ووادي المقطع الذي كان يصب في حيفا؟ حيث كانت البيارات تملأ المنطقة إضافة إلى أشجار الكينا التاريخية العملاقة.. فرحمة بشوارع جنين وتاريخها ومساحاتها الخضراء التي بدأت تتلاشى يا بلدية جنين، فهذه المدينة أمانة في أعناقكم ستسألون عنها يوم القيامة.

سحر روابي جنين بعدسة زياد جيوسي
سحر روابي جنين بعدسة زياد جيوسي

ما أن بدأنا الصعود إلى ربوات جنين حتى بدأت أشعر بروحي تحلق في الجنان، فهناك وعلى تلك المرتفعات حيث الطبيعة الخلابة، لا يمكن للروح إلا أن تحلق في الفضاء، وفي منطقة السويطات توقفنا لألتقط الصور، وحين نزلت من السيارة بدأ سحر جنين يستلبني، فتنشقت الهواء النقي بملء رئتيّ، وحين وصلنا إلى بلدة (تلفيت) حيث بنيت الجامعة الأمريكية، ورأيت الطبيعة بجمالها الخلاب، حتى كان سحر جنين قد بدأ يسري في شراييني مجرى الدم، وهذه البلدة الصغيرة والجميلة، التي تضم بقايا حجارة منحوتة وأنقاضاً لآثار قديمة، تدل على أن هذا الموقع كان له دوره في التاريخ القديم، فوقفت بدهشة الطفل أمام هذا الجمال، وشعرت أن جنين تأتي إليّ وكأنها ريم الفلاة، تفرد شعرها الحريري وترخي جدائلها، فتنعكس الشمس عليه مانحة إياه لون الذهب، وشعرت بطيفي يرافقني كالعادة ويهمس لي: أكيد ستكون جولة رائعة لمسافر مثلك لا يحمل سوى حقيبة حب وعدسة ذكريات.. وماذا عن ذاك القلم؟ أطلق له العنان ليكتب كلّ ما يرى ويسمع،  دعه يكتب النّاس ومشاغلهم وأفراحهم وأحزانهم، ودعه يكتب كلّ شيء، ودعه يكتبك حتّى أنت، فالأشياء كما تحسّها أنت، هي أجمل ما قد يمكن أن يكتب.. فشكراً أنّك حملتني معك في حقيبة سفرك إلى ربوع جنين.. فهمست لروح طيفي: ما أجمل وطننا، وما أروع همساته تنساب كالموسيقى! لذا سأبقى عينيكِ في الوطن، وستشاهدين في المرحلة القادمة الكثير مما كتبت ووثقت عدستي.

كنيسة القديس جار جيوس في الزبابدة بعدسة زياد جيوسي
كنيسة القديس جار جيوس في الزبابدة بعدسة زياد جيوسي

اتجهنا إلى بلدة (تنين)، والتي لا تقل سحراً بطبيعتها عن (تلفيت)، وهذه البلدات بناها محمود عبد الرحيم إرشيد وشقيقه، فأراضي هذه المنطقة الشاسعة المساحة كانت ملكاً لآل إرشيد منذ زمن قديم، وما زالت مساحات واسعة منها تعود بملكيتها لهم، وأكملنا الطريق إلى بلدة (الزبابدة)، وهذه البلدة تعود في تاريخها إلى العصر البيزنطي، وتدل على ذلك بقايا قطع الفسيفساء التي تعود إلى العصر الروماني، وقد دمرت بالكامل في القرن السابع الميلادي بسبب الحروب الدينية المتكررة، وبقيت طوال الفترة غير مأهولة حتى عادت لها الحياة في القرن السابع عشر الميلادي، من خلال مجموعة قدموا من (طيبة) رام الله، وتملكوا أراضيها من آل جرار. والبلدة عبر تاريخها القديم والآثار المكتشفة فيها، كانت تحمل آثار المرحلة المسيحية وتأثيرها في المنطقة، ويوجد بها الآن أربع كنائس، أقدمها كان (ديراً) ويعود تاريخ بنائها إلى 528 م، وفيها مسجدين قديم وحديث، والحديث تعلوه ثاني أعلى مئذنة في الضفة الغربية. وما أن أطللنا على شارع الكنيسة وهو الشارع الرئيس في البلدة، حتى شعرت برهبة التاريخ، وحين دخلنا نجول البلدة القديمة، ووصلنا إلى كنيسة القديس (جارجيوس) التي بنيت في العام 1874، حتى بدأت أترنم بأبيات شِعر للشاعرة صونيا خضر تقول:
"قليل من الكلام كان يكفي
ليعبر الضوء
قمراً في نصف إغماءة..
وينام في.. سرير البدر."
وما أن أكملت ترنمي بهذه الأبيات حتى ابتسمت، فقد تذكرت أن الشاعرة صونيا التي تسكن رام الله، تعود عائلتها إلى بلدة الزبابدة.
أنهينا التجوال السريع في عبق تاريخ الزبابدة، عائدين من جديد مروراً ببلدتي تنين وتلفيت، وهناك وقفت ألتقط صوراً جديدة للسحر الغامر، حيث تظهر الجبال شرقي نهر الأردن، فشعرت بالحنين لأهلي وأسرتي هناك، وهمست لنفسي: لو أتيح لي لسكنت في صومعة صغيرة هنا، أمتع روحي بروعة الجمال، فمثل هذا السحر كفيل أن يحيلني من كاتب إلى شاعر. وأكملنا الطريق باتجاه مناطق ساحرة أخرى سيكون لها حديث في الخفقة الثالثة القادمة من جنين وخفقات قلب.
أقف إلى النافذة وأنظر نحو السماء وقد انتشرت فيها الغيوم، أحتسي قهوتي وطيفي الذي لا يفارقني، وأتذكر أمسيتي الأدبية ولقائي مع مجموعة رائعة من أهل جنين في الأمس، ورحلتي في أول الأمس، والتي ما زلت أواصل الحديث عنها، وأجهز نفسي لجولة اليوم، وأستمع لشدو فيروز: "رجعتَ في المساء/ كالقمر المهاجر، حقولك السناء/ حصانك البيادر/ أنا نسيت وجهي/ تركته يسافر/ سافرت البحار/ لم تأخذ السفينة/ وأنت كالنهار/ تشرق في المدينة."
صباحكم أجمل، وإلى لقاء في الخفقة الثالثة من خفقات القلب وسحر جنين عصفورة الشجن وريم الفلاة.

جنين وخفقات قلب



بقلم: زياد جيوسي (الخفقة الأولى)

جنين بعدسة: زياد جيوسي
                                جنين بعدسة: زياد جيوسي

حين ودعت رام الله مقرراً التوجه إلى مدينة (جنين)، ضمتني رام الله إلى صدرها، وأسدلت على رأسي شعرها الأسود، فنظرت في وجهها القمري، فهمست: احذر أن تستلبك جنين مني، فتعشقها، وتوقعك في سِحرها. فهمست لها: وهل تمتلك جنين كل هذه القدرة؟ فابتسمت وقالت: وهل زارها أحد منذ جدك كنعان ولم يقع في حبائل سِحرها والعشق؟ ألم تسمع ما قاله شاعر قديم حين زار جنين وغادرها ففاضت روحه عشقاً:
"يا حبذا يوماً في جنين مضى
كالغرة البيضاء في وجه الزمن
فيها ثلاث للسرور تجمعت
الماء والخضراء والوجه الحسن"
فابتسمت وأنا أستعد لزيارة جنين بعد طول فراق، فأرواح الشعراء الذين زاروا جنين أو مروا بها تعلقت بها، فخلدوا ذلك بأشعارهم وبوح أرواحهم، وبقي هذا الشِّعر عالقاً بلساني منذ جهزت نفسي وأقلامي وعدسة التصوير مودعاً رام الله، ومتجها إلى جنين صبيحة الثلاثاء السادس والعشرين من نيسان للعام الحالي 2011.

البلدة القديمة في جنين بعدسة: زياد جيوسي
                                  البلدة القديمة في جنين بعدسة: زياد جيوسي

لجنين في الروح مكانة خاصة، فمنذ تفتحت عيناي على الدنيا وهي ترتبط في ذاكرتي بأحاديث الآباء والأجداد؛ جمالها، وطيبة أهلها، وشهامة رجالها، ورقة حورياتها، والبطولات التي سطرها الرجال، وما زلت أذكر ما قرأته عن وقفة أهل جنين واستلهامهم مشاعر أهالي فلسطين لنجدة عكا، وقد كادت القوات العربية بقيادة يوسف الجرار، التي قادها لنصرة أحمد باشا الجزار أثناء حصار عكا، أن تفتك بجيش (كليبر) قائد القوات الفرنسية، بعد أن حاصرته على مقربة من جبل (طابور) في مرج بني عامر، ولا يمكن نسيان ثورة القسام ودمائه والأبطال الذين رافقوه، والتي روت أرض جنين، وصولاً إلى ما نحياه الآن، متذكراً شهداء ملحمة جنين التي سطروها بدمائهم وصمودهم إبان الاجتياح الإسرائيلي في العام 2002، ومنذ أن أنشأها الكنعانيون في حدود العام 2450 قبل الميلاد، وسموها (عين جانيم) ومعناها عين الجنائن، وهي راوية للتاريخ وراوية للحكاية، وقد ارتبط اسم المدينة بمرج بن عامر، وهو أخصب بقاع فلسطين، وحور الرومان اسمها إلى (جينين)، ليصبح اسمها في عهد الفتوحات الإسلامية (جنين)، حسب ما تروي المصادر التاريخية، كما أن الإنسان الأول الذي عثر على آثاره في جبل الكرمل مر من جنين، وفيما بعد شكلت حلقة الوصل التجارية بين مدن بيسان ومجدّو ودوثان، وقد ورد اسمها في الوثائق المصرية القديمة والبابلية والآشورية، وقد تعرضت عبر تاريخها إلى غزوات كثيرة، وبحكم أنها منطقة سهلية غير محصنة، فقد أنشئت مدينة (بلعام) في مدخلها الجنوبي وتسمى (بلعمة) حالياً،  لتكون حصن الدفاع الأول عنها.

بوابة السيباط بعدسة: زياد جيوسيب
                                            بوابة السيباط بعدسة: زياد جيوسي

أُتيح لي في أول زيارة للوطن بعد غياب قسري استمر ثلاثون عاماً أن أزور جنين زيارات خاطفة في أول عودتي، وبعد ذلك حرمت من مغادرة رام الله سنوات طويلة قاربت أحد عشر عاماً، وبقي حلم زيارتها يسكن قلبي والروح، حتى وجهت لي الدعوة من المهندسة دينا حمدان مديرة مركز محمود درويش الثقافي لزيارة جنين، فلم أتردد لحظة عن قبول الدعوة، واستأذنتها أن ترتبها بعد إنهاء العديد من الدعوات لزيارة مناطق مختلفة في أنحاء الوطن وخارجه، وحين حان الوقت كنت أشعر بروحي تسابقني للوصول، ورغم أن الطريق كانت مريحة وسائق السيارة العمومية يأخذ راحته بالحركة والسرعة، إلا أني كنت أشعر أن الوقت يمر ببطء، وأن الزمان قد تباطأ وشبه متوقف، وكنت أتلهى طوال الطريق بالنظر إلى جماليات الوطن من النافذة، وتستعيد ذاكرتي زيارتي السابقة قبل سنوات طوال، حتى أطللت على بلدة (سيلة الظهر)، فتذكرت شابة تنتسب للبلدة وتحلم أن تراها ذات يوم يرى الوطن فيه الحرية، فهمست لها من البعيد: سلام على بلدتك.. سلام على روحك.. ذات يوم ستضمك بلدتك بكل حنان. وهذه البلدة ضاربة القدم، واسمها مشتق حسب بعض الروايات من موقعها الممتد من أعلى سفح الجبل حتى أسفله، وفي رواية أخرى أنه مشتق من بلدة (إكفار سيلا)، وهي إحدى قرى سبسطية في العهد الروماني وقامت سيلة الظهر على موقعها، واللغويون يشتقون اسمها من كلمة (سلا) وهي تعني في اللغات السامية الهدوء والسكينة، وتشتهر البلدة بموقعها الاستراتيجي والمهم، إضافة إلى أنها تضم مقبرة دفن فيها ما يزيد عن أربعين شهيداً من شهداء ثورة 1936، إضافة إلى مقام يقال إنه لنبي اسمه (سيلان)، وذكر في رحلات النابلسي، ولكن لا أحد يعرف عنه شيئاً، إضافة إلى العديد من المزارات والخِرب، وقد خاطبها الشاعر: عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى):
"وقفت أناجي سيلة الظهر باكيا
وأذللت دمعي بعدما كان عاصيا"
فشعرت بقلبي قد ازدادت خفقاته، وأحسست بعبق جنين قد بدأ يملأ صدري، وحين وصلت إلى مقبرة شهداء الجيش العراقي الذين استشهدوا دفاعاً عن فلسطين في محاولة لإنقاذها من الاحتلال بوساطة جيش الإنقاذ في العام 1948؛ استعادت ذاكرتي أبياتاً من الشعر للشاعر الفلسطيني أحمد رشاد العتيلي التي يقول فيها:

"نفل القول أن نعيد المقالا
لن يكون الرجال إلا رجالا!" 
يظمأ الحرُّ أو يموت كريماً
قدر للكريم أن يتعالى" 

كما استعادت ذاكرتي فترة إقامتي في بغداد للدراسة، وبعدها في زيارات متعددة، وتذكرت كل الحب والتضحيات من أبناء العراق لفلسطين وشعبها، وقرأت الفاتحة وترحمت على الشهداء، مقرراً العودة لزيارة مثوى الخالدين في زيارة خاصة للمرة الثانية في حياتي.

سوق السيباط التراثي بعدسة: زياد جيوسي
                                 سوق السيباط التراثي بعدسة: زياد جيوسي

ما أن وصلت قبالة مركز محمود درويش حتى طلبت من السائق التوقف لأنزل من السيارة، ويظهر أن حجم الشوق كان أكبر من الانتباه، فتعرقلت وأنا أنزل من السيارة لأقع على الأرض، والحمد لله أنني لم أُصب بأية إصابة، فقد وقعت حقيبتي تحتي فلم أصب إلا برضة بسيطة، لأنهض وأتجه إلى المركز، وألتقي بمضيفتي الرائعة المهندسة دينا حمدان، والتي استقبلتني على بوابة المركز لنصعد ثلاثة أدوار على الدرج، فرغم تصميم المبنى الحديث، ورغم وجود بئر للمصعد فيه، إلا أنه لا يوجد مصعد، رغم أن المبنى قام على تمويل كامل من الإيطاليين، فأثار هذا بذهني سؤال: هل صرف المبلغ بالكامل على المبنى، أم أن حصة المصعد منه قد تبخرت بشكل مجهول، وقد يكون معلوماً؟
في داخل المركز التقيت مجموعة طيبة ورائعة سلموا عليّ واستقبلوني بكل ما تحمله أرواحهم من طيبة وجمال، فكان منهم الجميل الشاب كفاح أبو سرور ومهندسة أخرى والعديد من العاملين في المركز، فجلسنا وتحاورنا، وبعد احتساء القهوة والحديث عن برنامج اللقاء الأدبي لي مع أهالي جنين في قاعة مؤسسة الكمنجاتي، تحركنا لنبدأ الجولة التي كنت أشتاق إليها وأحلم بها، فقادت الجولة المهندسة دينا حمدان، ورافقنا الجميل كفاح أبو سرور كل الجولات بدماثة خلقة وخفة دمه، فبدأنا الجولة بعد غداء أصرت عليه المهندسة دينا حمدان بكرمها وحسن ضيافتها، فكانت بداية التجوال في قلب المدينة القديمة، حيث عبق التاريخ والحكايات التي ترويها الحجارة والأزقة والدروب، عن قصص الأجداد والجدات، وعن حوريات بني كنعان عبر التاريخ، كيف نقشوا يداً بيد الصخر، وكيف صنعوا تاريخاً علينا نقف أمامه بإجلال، فكانت البداية من حارة (السيباط)، ويقال إن معنى الكلمة هو البناية التي يمر من تحتها الهواء، ويقال أيضاً إنها تعني الخيول، والسيباط هي مدخل البلدة القديمة، وفيها سوق السيباط وهو سوق أثري تم بناؤه أثناء الحقبة العثمانية في فلسطين، ويحتوي على مجموعة دكاكين ومحلات لبيع المواد الغذائية المختلفة والمنتجات الزراعية مثل الحبوب والزعتر البلدي والجبنة والألبان بمشتقاتها والعطارة،  إضافة إلى المواد التراثية الفلسطينية، مثل الأدوات الزراعية القديمة، والمصنوعات الفخارية والنحاسية، والملابس والمطرزات الفلسطينية، يقع مدخل السوق تحت مقر مكتبة جنين، التي كانت في السابق مقراً للبلدية، وأجرت بلدية جنين عملية ترميم واسعة لهذا السوق بتمويل ألماني.
صباح جنيني حار صباح اليوم الأربعاء.. صحوت من نومي مبكراً، وجلت وسط المدينة التي بدأت تنفض النوم عن عينيها بهدوء، واحتسيت فنجان قهوة على مقهى في حي بمدخل السوق القديم، ثم عدت إلى بيت الضيافة، فقد تمت استضافتي في بيت ضيافة جميل يتبع البلدية في قلب الحي التاريخي، بيت جميل ويوفر إمكانات الراحة والتواصل والكتابة، ووجوده في قلب المدينة القديم يتناسب مع روحي والهدف من زيارتي، وهذا يجعلني أوجه بطاقة شكر ومحبة للشاب اللطيف ناصر غزال في العلاقات العامة في البلدية على ترحيبه وتوفير هذا الضيافة الجميلة والمريحة . جلست أنظر من النافذة قبل أن أبدأ برنامج اليوم، وشعرت بروح طيفي ترافقني وتحتسي معي القهوة ونستمع معاً لشدو فيروز، وأشعر بكل أبناء الوطن في الغربة والمنافي والشتات يرددون مع فيروز:
"ردني إلى بلادي مع نسائم غوادي
مع شعاعة تغاوت عند شاطئ ووادي
مرة وعدت تأخذني قد ذبلت من بعادي
وارمي بي على ضفاف من طفولة غدادي
نهرها ككف من أحببت خير الوصادي
لم تزل على وفاء ما سوى الوفاء زادي
حبني هنا حب الحب مالئاً فؤادي
شلح زنبق أنا أكسرني على ثرى بلادي"
صباحكم أجمل، وإلى لقاء في الخفقة الثانية من خفقات القلب وعبق التاريخ في جنين الشهداء.

عبير حمودي تروي حكاية العراق بريشتها


بقلم وعدسة: زياد جيوسي

   في معرض تشكيلي ضم عدد كبير من فنانين عرب وفنانين من الاردن في زهرة الشمال مدينة اربد كان لقائي الأول مع ابداعات وفن الفنانة العراقية عبير حمودي، حيث وقفت امام لوحتها وبدأت الحديث عنها مع الفنانة رنا حتاملة التي التقيتها صدفة في المعرض، قلت لها هامسا: هذه اللوحة بالتأكيد لفنانة من العراق، فأنا اشعر أن اللوحة اعادتني لأيام دراستي هناك وجولاتي فيه، وأشعر أني اجول تاريخ العراق من سومر وحمورابي مرورا ببابل وبني العباس حتى العراق قبل الحرب والدمار، وحين عرفتني الفنانة على نفسها هنأتها وواصلت تجوالي، وبقيت الرغبة كامنة في صدري أن أرى ابداعات الفنانة وأجول فيها عبر رحلاتي المتتالية بين رام الله وعمَّان وأماكن أخرى، حتى تحققت هذه الرغبة منذ فترة قصيرة زمنيا قبل أن أعود لرام الله بعد غياب شعرت أنه قد طال في السفر.
   التجوال في فضاءات الفنانة عبير حمودي هو عبارة عن رحلة سفر على مركب الزمان تعود بمتأمل اللوحات الى بدايات الحضارة في سومر، لتنقله من هناك عبر الحضارات المختلفة التي مرت على العراق، وصولا للعراق الفن والوعي والثقافة قبل سلسلة الحروب التي تعرض لها، فتم تخريب العراق وثقافته ومتاحفه وأثاره وفنه، وتشتت المبدعون في أصقاع الارض، ولكن الحنين الذي يسكن روح الفنانة لم يتوقف فتحول الى براكين من اشتعال واشتياق للوطن وأرض الوطن والحلم بوطن أجمل، وهذا انعكس بوضوح في لوحاتها المختلفة التي تناولت العراق بجماله وأحلامه وتاريخه والجمال.
   حين نتناول ابداعات الفنانة عبير لا بد من تقسيم لوحاتها الى عدة مجموعات حسب الموضوعات التي تناولتها، رغم أن الفواصل بين المجموعات متداخلة بالفكرة ورمزية اللون واستخداماته، فالفكرة المشتركة في لوحات الفنانة هي العراق بتاريخه وتراثه، وإن تناولنا المجموعة الأولى فهي تدور حول لوحاتالتاريخ والتراث، وهي من ست لوحات، ويلاحظ ان اللوحات جميعها تناولت تراث وتاريخ العراق وروته من خلال الريشة واللون، ففي لوحة اعتمدت مساحة عرضية كبيرة أشبه بالجداريات نجد الفنانة رسمت حيا تراثيا مثلت فيه المساجد من خلال القباب والمآذن، ويلاحظ باللوحة أنها جعلت مسجدا في البداية وفي منتصف اللوحة لتتحرك بريشتها وتجعله وكأنه رأس مثلث للحي، منطلقة ببعد وعمق بصري في يمين ويسار اللوحة، وفي هذه اللوحة ركزت على تمثيل المساجد بأنماط بنائها التراثية واستخدام اللون للقباب من الأخضر الى الذهبي إلى الأخضر مع التركيز على اللون الأزرق الفيروزي، وهذا اللون تميزت به أعمال السيراميك الفنية في العراق، وهو لون يعود استخدامه من الفترة السومرية مرورا بكل الحضارات التي عرفها العراق، وصولا لمرحلة النهوض المعماري قبل الحرب ضد العراق وتدميره واعادته لمرحلة الفقر والخراب، ويلاحظ في هذه اللوحة أن الفنانة لجأت لاستخدام المباني التراثية التاريخية، فالشرفات الخشبية والشناشيل والأبواب المرتفعة القوسية من الأعلى والنوافذ الضيقة والقوسية من الأعلى بعض من تراث العراق المعماري، اضافة لتناسبه مع المناخ الحار صيفا والبارد شتاءًا، فطبيعة المناخ وقبل استخدام المكيفات لاحقا، لم تكن تسمح باستخدام النوافذ العرضية والمتسعة، ولم تترك الفنانة رمز العراق الأساسي وهو النخيل خارج الاطار، فكانت أشجار النخيل منتشرة بين الأبنية.
   وفي لوحة متميزة أخرى نجد الفنانة رسمت على شكل معين هندسي يمتد بين منتصف الأربعة أضلاع للوحة، رمزيات تشير للحضارات المختلفة وهي اللوحة الأولى التي رأيتها للفنانة وأشرت اليها في بداية المقال، وفي هذه اللوحة نجد الفنانة وضعت مجموعة من الرموز التي ترمز لحضارات العراق عبر تاريخها، فنجد مسلة حمورابي سادس ملوك مملكة بابل القديمة والقيثارة البابلية التي تعود بأصولها لمرحلة الحضارة السومرية، ورمز الحرف المسماري، ومئذنة الملوية التي تعود لمرحلة العباسيين في عهد الخليفة المتوكل، إضافة لبوابة بابل والعديد من الأبنية والمساجد التي تمثل مراحل مختلفة من تاريخ العمران في العراق، اضافة لرف من الحمام المحلق وغالبيته من اللون الأبيض، وهي اشارة للسلام الذي كان يسود العراق قبل الغزو الامريكي والحصار الذي عم العراق قبل الغزو لسنوات طويلة، وقد اعتمدت خارج الشكل المعيني الألوان الأزرق الفيروزي بدرجتين بإشارة لمرحلتين من استخدام هذا اللون بالزخرفة، مرحلة التاريخ القديم والمرحلة الأسلامية، اضافة لاستخدام اللون الارجواني وكأنه نيران تشتعل في السماء، اشارة لما حل بالعراق من خراب في المرحلة الأخيرة، ولعل رمزية استخدام المعين كشكل هندسي له علاقة بشكل تقارب التقاء نهري دجلة والفرات في منتصف العراق حتى توحدهما في شط العرب، وهو شكل أقرب للمعين الهندسي، اضافة أن شكل المعين الهندسي من الأشكال التي استخدمت في تاريخ الأختام العراقية عبر العصور المختلفة.
   ويلاحظ في لوحات التاريخ والتراث أن الفنانة تمازج الماضي بالحاضر عبر الحضارات المختلفة بشكل أو آخر، اضافة لاستخدام الرمزيات مثل النهر اشارة للر افدين أو النخلة رمزا للعراق، باستثناء لوحة واحدة كانت تمثل أحد أبناء الحضارة السومرية وهو يكتب (بالحفر) باللغة السومرية المسمارية على جدار طيني، ولعلها رمزت من خلال هذه اللوحة الى أقدم حضارة عرفت بالعراق وتعود لستة الآف عام قبل الميلاد.
   حين نمر بالمجموعة الثانية وهي حول التراث الشعبي نجد أن الفنانة مثلت التراث الشعبي وخاصة الموسيقى التراثية فنجدها رسمت اربعة لوحات تمثل أدوات العزف والعازفين، فنجد ثلاثة عازفين كل يعزف على آلة موسيقية وهي القانون والطبلة (الدنبك) باللهجة العراقية وهي تختلف عن الطبل الاعتيادي، وآلة وترية اسمها "الجوزة" وهي تشابه الربابة، وامرأة تعزف على العود، ولوحة تراثية أخرى تصور امرأة تقف أمام محل مختص ببيع النحاسيات (سوق الصفافير) وتحمل صينية نحاسية بيدها، وهي بهذه المجموعة من خمسة لوحات صورت بعض من التراث العراقي فنحن نجد الموسيقين يرتدون الكوفية العراقية على رؤوسهم باللفة التراثية مع الأزياء الشعبية الخاصة بالرجال، والفتاة ترتدي ايضا الفستان التراثي والذي كانت نساء العراق يلبسنه تحت العباءة، بينما المرأة أمام محل النحاسيات ترتدي العباءة العراقية المعروفة.
   المجموعة الثالثة وهي لوحات المكان وتتكون من أحد عشر لوحة، مع ملاحظة أن الفنانة لجأت في 3 لوحات لطريقة انها رسمتها منفردة، ولكنها تعرض بإطار واحد مع ترك مسافة قصيرة بين اللوحة والأخرى، فيمكن ان تكون كل لوحة مستقلة، ولكن الجمالية بوحدتها معا حيث تمثل وحدة لحي تراثي وكل لوحة طغى عليها لون يظهرها وكأنها منفصلة، فلوحة طغى عليها اللون الأخضر وهي يمين اللوحة وكأنها ترمز للخصب في العراق بمرحلة معينة، والوسطى وهي تمثل المسجد طغى عليها اللون الأحمر وكأنها لون رمزي لاشتعال حرب طائفية في العراق غمرت المساجد بالدم، والثالثة طغى عليها اللون الأصفر الصحراوي وكأنها شارة لمرحلة الجدب التي بدأ العراق يعيشها بعد الاحتلال والصراع المذهبي، وفي لوحتين أخريين لجأت لنفس الطريقة حيث لجأت لوحدة وانفراد اللوحة، ولكنها تميزت باستخدام الخط العربي بأسفل اللوحة وكونها لا تجيد الخط أعتقد انها لجأت لفنان في الخط لوضع الاشارات والأحرف، لكن اللوحة رمزت بوضوح لفترة الازدهار العمراني والثقافي، مرحلة كادت الأمية أن تصبح شيئا من الماضي في العراق، بينما في 3 لوحات منفصلة مثلت الأحياء الشعبية بأزقتها "الدرابين" في اللهجة العراقية، وتقارب أبنيتها مع ظهور أشخاص بالأزياء التراثية للرجل والمرأة، ولم تغفل حتى قنوات تصريف الماء في هذه الأحياء بين البيوت، وهذه مشاهد أذكرها اثناء دراستي في العراق، وفي لوحة أخرى لجأت للزخرفة المرتبطة بالمساجد المتميزة باستخدام السراميك فيها ونمط البناء، فظهرت عبارات التوحيد اضافة لرمزية الديك الذي يقف على مكان مرتفع وكأنه يستعد للصياح مشيرا لاستقبال الفجر القادم، بينما اختلفت اللوحتان الباقيتين عن السابقات، فواحدة مثلت أهوار العراق وامرأة تحرك القارب بالمجداف، ففي الأهوار كانت القوارب وسيلة الحركة بين البيوت المبنية من القصب والخشب على جزر منعزلة بين المياه، واللوحة الأخيرة خرجت بها عن العراق الى الاردن تاريخا وحضارة، ولعل هذه اللوحة ناتجة عن اقامتها الطويلة بالاردن او بعض من وفاء لوطن احتضنها في ظل الموت الذي يجتاح واجتاح وطنها الأصلي.
   المجموعة الرابعة وهي لوحة واحدة حملت اسم: امرأة التذكر، وفي هذه اللوحة حاولت الفنانة أن تخرج عن تأثير العراق بتراثه وتاريخه وحضارته والذي يأسرها، ولكن من يقرأ اللوحة جيدا سيجد أن لم تتمكن من ذلك تماما، فاللوحة عبارة عن امرأة تغمض عينيها وتعيش في حالة من الغياب عن الواقع الملموس لبعض من الوقت، ومن خلال اسم اللوحة نكتشف فورا أن المرأة (الفكرة) في اللوحة تغمض عينيها وتفكر فيما مضى وتستعيد الذاكرة، وواضح من ملامح المرأة وتفاصيل جسدها أنها امرأة شابة في مرحلة النضوج وليست شابة صغيرة، وفي نفس الوقت ليست بسيدة بلغت من العمر الكثير فتستعيد الذكرى والذاكرة، ومن خلال تدقيق خلفية اللوحة نجد ابنية حديثة مرتفعة ونجد القمر هلالا مما يشير أن انعكاسات اللوحة حديثة من خلال الابنية، وأن الوقت ليلا من خلال ظهور القمر هلالي الشكل وأن السماء صافية، وهذا يعطينا فكرة أن الشابة في اللوحة تمثل المرأة أو تمثل الفكرة من خلال المرأة المعاصرة وليست امرأة الماضي، وأن الذاكرة تجول في الجانب الجميل فيما مضى من حياتها، فسكنات الليل وصفاء السماء مع انارة القمر اشارة للحظات هدوء وسكينة، وايضا حين نتأمل الألوان المستخدمة نجدها ألوان فرحة في المباني، ومازجت الألوان الحارة مع الباردة فكان البرتقالي والأزرق والأبيض والبني الداكن والأحمر، مع ملاحظة أن الألوان كانت واضحة بقوة رغم أن الوقت ليلا، وهي كما رأيتها اشارة رمزية أن الذكرى فرحة وسعيدة للمرأة.
   لونظرنا الى يمين اللوحة بالنسبة للمشاهد سنجد الوانا منسكبة وكأنها شلال قاعدته داكنة ومن ثم تصعد بانارة قوية، والقاعدة تشير لأشكال يمكن ان تكون أشكال لأشخاص مرسومة بشكل تعبيري والنور في اعلاهم وفي الأفق امامهم وكأنهم يسيرون نحو الفرح واشراقة الشمس التي بدأت تغمرهم، وهذا النور عكس نفسه على اللوحة فأضائها لذا نجد الفنانة لجأت للتباين اللوني بين الوضوح والظلال من خلال هذه الاضاءة، وهذا ما نراه على يمين وجه المرأة بالنسبة للمشاهد ويمين الأبنية.
   المرأة في اللوحة اسقطت عليها الفنانة مجموعة من اللمسات التي تثير الانتباه، فلون الشعر اشقر والمرأة تميل لهذا اللون في وجهها، وهذا اختلف عن المعتاد بشكل عام في رسم النساء في منطقتنا عامة وفي العراق خاصة (بلد الفنانة) حيث يميل اعتماد السمرة بتدرجاتها على وجوه النساء بحكم الطبيعة العامة بسبب المناخ والجو، وربما ان اسلوب الفنانة هنا وكما اشرت في البداية اشارة للمعاصرة وليس الماضي، وفي نفس الوقت اعطت جماليات خاصة للمرأة في الرقبة، فكانت طويلة نسبيا مقارنة بالنسب التشرحية للجسد، وهنا يمكن الاستنتاج أنها لجأت للرمزية في مسألتين: الأولى الجماليات في المنطقة العربية للمرأة تشير للرقبة الطويلة، وأيضا حين تشرئب الأعناق وهي تنظر او تحلم بفكرة الماضي او الغد.
   ثوب المرأة باللون الأحمر وهو من الألوان الحارة والتي تحمل أكثر من رمز حسب الاستخدام وموقعه، ولكنه هنا ارتبط بالمرحلة العمرية والأناقة لهذا السن، القلادة على الثوب مرتبطة بالتراث والتاريخ فهي مستمدة من القلائد التي استخدمت في الحضارت التي مرت على العراق عبر التاريخ، ويوجد منها في المتاحف وفي الرسومات والمنحوتات القديمة، وهي بطرفيها كنصف دائرة تقع على جوانب النهدين العارمين للمرأة وكأنها رمزية للعطاء في المرأة عبر التاريخ، بينما انعكاس النور على وجهها يشير الى مرحلتين بين الانارة القوية والأقل، ويأتي الانعكاس اللوني وكأنه خصلة شعر تقسم الوجه لقسمين، فاللوحة فيها الكثير من الاشارات التي تلفت نظر القارئ للوحة، وتؤكد أن الفنانة خرجت بالأسلوب والشكل من تأثر العراق على روحها، لكنها لم تخرج من تأثير الفكرة.
   الفنانة عبير لم تدرس الفن أكاديميا باستثناء دورة فنية في الأردن، وإن تملكها اللون وتمتلكتها الريشة منذ الطفولة، وتأثرت روحها بما شهده العراق من أهوال واحتلالات عبر المرحلة التي عاشتها، اضافة لانشدادها لوطنها العراق بعد مرحلة طويلة من الغياب القسري الذي فرض عليها كما فرض على الكثير من أبناء العراق، فكان العراق بتراثه وتاريخه وفرحه وألمه هو من يحكم لوحاتها وروحها، ومع هذا نجدها تتقن استخدام التقنية الفنية جيدا في لوحاتها، ولكن بعض اللوحات لم تخلوا من بعض الهنات ونقاط الضعف، لكن هذه الملاحظات تبقى قليلة أمام روعة الفكرة وابداع روح الفنانة وهي تروي حكاية العراق بريشتها.






 
تصميم : عبدالله رياض